أبو عبيد البكري الأندلسي الأونبي

156

فصل المقال في شرح كتاب الأمثال

ثم انصرفت وقد أصبت ولم أصب . . . جذع البصيرة قارح الإقدام فإنه يحتمل معنيين ( 1 ) : أحدهما ظاهر جلي ، والثاني غامض خفي . أما الجلي فإنه يقول إنه انصرف جذع البصيرة مستمر المريرة لم يفل عزمه ولا ضعفت نيته بما أصيب من جسمه من الخيل الذي كملت سنه وتناهت قوته ، وأما المعنى الخفي فإنه يقول : ثم انصرفت وقد أصبت ؟ أي قتلت أعدائي ونكيت ؟ ولم أصب أي لم ألف على هذه الحال ، أي لم ألف جذع البصيرة قارح الإقدام بل ألفيت قارح البصيرة جذع الإقدام لأن بصيرة القارح المجرب المنجذ هي التي لا تستحيل ولا تضطرب . وأما بصيرة الجذع أي الصبي فلا تثبت ولا تدوم ، وألفيت جذع الإقدام أي شديده ماضيه ، لا ينثني ولا يردعه شيء على نحو ما قدمان من مذهب من ذكر الشباب وأهل الغرارة في الحروب . ويعضد هذا المعنى على [ المعنى ] الأول الجلي ويؤيده أنه يستحيل أن يقول : ولم أصب أي لم ينل مني ( 2 ) وهو قد قال قلبه : حتى خضبت بما تحدر من دمي . . . أكناف ( 3 ) سرجي أو عنان لجامي فهذا نقض وإبرام ونفي وإيجاب وسوفسطانية صحيحة . والحجة للقول الأول أنه أراد بقوله : لم أصب : لم أقتل أي انصرفت وقد قتلت فيهم وسلمت منهم كما تقول : أصيب فلان يوم كذا أي قتل ، يريدون : أصيبت نفسه ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لجيش الأمراء : أميركم زيد فإن أصيب فجعفر فإن أصيب فعبد الله ابن رواحة ، فأصيبوا كلهم . وحجة أصحاب المقالة الثانية : وكيف يسوغ له أن يقول ولم أقتل وهو ينشد شعره ويخاطبهم بلفظه . والعرب تقول : أصيب

--> ( 1 ) أفاض أبو عبيد في شرحه هذا المعنى هنا ، واختصر القول فيه شرح الأماني ( انظر السمط : 806 ) وقد نقل صاحب الخزانة من شرح أبي عبيد على الأمالي ولم ينقل من شرحه المسطور هنا ( انظر الخزانة 4 : 260 ) وخير الآراء فيه رأي أبي العلاء وهو إن إقدامه قارح لأنه قديم ، وإنه جذع البصيرة لأنه كان فيما سلف لا يرى رأي الخوارج ثم تبصر ، والبصيرة اصطلاح يتكرر كثيراً في الشعر الخارجي ، وهو يعني عندهم اهتداءهم إلى العقيدة الصحيحة . ( 2 ) س ط : منه شيء . ( 3 ) س : أحناء ؛ حيثما وقعت .